06
مارس
كورونا العنف- بقلم الدكتور عماد قسيس -الرامة
كورونا العنف
(٢)
يبدو أنّ العنف بأنواعهِ المتعدّدة والتعدّي على الآخرين هو الشغل الشاغل، وبحقّ، للشعب العربي الساكن في هذه البلاد.
لنفرض أنّ هناك ألف شخص (رقم خيالي ومُبهَّر كثيرًا لأبرز الفكرة) يمارس العنف في الوسط العربيّ، المسمّى جزافًا بعرب الداخل، هذا يعني أنّ نسبة من يمارس العنف في البلاد من العرب هو 0.067%، وهو بلا شكّ نسبة ضئيلة جدًّا، فلماذا يوصم الشارع العربيّ كلّه بالعنف؟
صحيح أنّ كلّ حدث عنف، مهما كان بسيطًا، مكروهٌ ومرفوضٌ، ولكن ما أريد إبرازه هنا أنّ كورونا العنف تأخذ حيّزًا كبيرًا من حياة المجتمع العربيّ وتدمغ العرب بالبلاد بالعنف وكأنّنا قتلة.
هناك هدفان مهمّان من هذا؛ أوّلًا دمغ العرب بالجريمة والعنف، وهذا أمر يخدم من يريد أن يُظهِر العرب بهذا المظهر أمام العالم، ولكنّ الأهمّ من ذلك أمام أنفسهم؛ ممّا يغذّي شعور الإحباط والدونيّة والرغبة بالابتعاد والانفصال والهجرة، وخاصّة عند الجيل الصاعد، نواة المجتمع المستقبليّ، ممّا يخدم مصلحة من يغذّي العنف يوميًّا ليس فقط بتوظيف ضئيل للموارد، بل بتحفيزها عن وعي أو غير وعي، وهذه نتيجة قاتلة للمجتمع الذي يغوص نتيجة لذلك في الاكتئاب وجلد الذات، بينما ننسى أنّ غالبيّة الشعب هم أناس طيّبون؛ عمّال، تجّار، موظّفون، جامعيّون، مبدعون في التكنولوجيا وأصحاب شركات كبيرة، يتعاملون مع البورصة بحذاقة مدرّسون، طلبة، أكاديميّون،معلمون في الجامعات، علماء وبنّاؤون ويدفعون الضرائب كما يدفع غيرهم من المواطنين.
النتيجة الثانية من جعل العنف البند الوحيد في الحوار الاجتماعيّ هو نسيان الكثير من الأمور الهامّة من مساواة في توظيف الميزانيّات، بشكل يشابه البلدان اليهوديّة والمدارس العبريّة والبنية التحتيّة والشوارع ومنع حوادث الطرق، والصحّة والمساواة في التوظيفات في مختلف المرافق وغيرها.
إنّ نسيان هذه المتطلّبات الضروريّة لبناء وصياغة الحياة المدنيّة الراقية والمستقبل الوجوديّ للعرب في هذه البلاد يصبّ في ذات الخانة الأولى.
نحن شعب راقٍ جدًّا؛ غالبيّته تنتظم في الحياة المدنيّة بشكل ممتاز.
أوّلًا؛ لنتوقّف عن جلد الذات وبذل روح الانهيار والدونيّة، وثانيًا؛ رصّ الصفوف وعدم الاكتفاء بالمطالبة بقمع العنف (لأنّ الشرطة لن تحقق ذلك ولا الوعود الكذّابة، بل بناء بنية ثقافيّة، تعليميّة واقتصاديّة صحيحة للمدى الطويل) والعمل معًا على نيل الحقوق وكسر طوق التفرقة الاجتماعيّة والسياسيّة في الشارع العربيّ بما يضمن صفًّا واحدًا وأهدافًا واضحة ورؤية مستقبليّة بعيدة عن مهازل السياسة والسياسيّين.
هذا الأمر هو حاجة الجماهير وهاجسها، وهو بحاجة إلى الجمهور ولن يحصل دون وعي الكيان العربيّ لهذه الاحتياجات.
لا شكّ أن تغيير نمطيّة التفكير الحكوميّ المتواصل منذ عقود ضروريّ جدًّا، ولكنّه لن يتغيّر دون إدراك العرب في البلاد لذاتهم.
أولًا،على مستوى الفرد؛ على كلّ شخص أن يكون قدوة في الحياة اليوميّة؛ أن يتكلّم ويدلي بصوته، وهذا لا ينحصر وقت الانتخابات، بل في كافّة المجالات الحياتيّة اليوميّة، بما لا يترك مجالًا للضبابيّة وازدواجيّة المواقف، وثانيًا؛ كمجموعة بشريّة مميّزة لها رؤيا واضحة المعالم؛ واعية وتنظر لمستقبل أكثر ثباتًا على هذه الأرض؛ ولديها ما تضيفه إلى الحضارة البشريّة في كلّ مكان وزمان.

