لا تكترث الدولة للهزة الأرضية القادمة لإنها ستضرب البلدات العربية وأطراف البلاد فقط! المحامي د. قيس يوسف ناصر

إن كارثة الهزات الأرضية في تركيا وسوريا هي منبّهٌ كبيرٌ عليه ان يوقظ دولة إسرائيل من سباتها من جهة استعداد البلاد للهزات الأرضية. ولكن الحكومة والسلطات المعنية لا تستوعب حتى اليوم حجم الكارثة والخسائر البشرية والماديّة ان ضربت البلاد هزة أرضيّة جديّة. 
ان البلدات العربية والبلدات اليهودية في شمال البلاد وأطرافها، وخاصة تلك القريبة من الشق السوري الافريقي، هي البلدات الأكثر عرضة للدمار. تشتمل تلك البلدات على جلّ المباني الخطيرة التي بني قسط كبير منها قبل عشرات السنين وهي بأمس الحاجة الى الدعم المعماريّ والترميم. قد تسقط هذه المباني في أي لحظة وبالتأكيد وقت وقوع هزة أرضية شديدة. 
يقضي قانون التنظيم والبناء ان ترميم المبنى الخطير هو واجب مالكه، وان هو تقاعس عن تنفيذ ما هو مطلوب لدعم المبنى وترميمه فان السلطة المحلية تستطيع القيام بما هو مطلوب عوضا عن صاحب العقار وان تغرّمه بنفقة الاعمال المعمارية التي نفذتها. في الواقع لا يفعل أصحاب العقارات والسلطات المحلية شيئا مع المباني الخطيرة وذلك لشح القدرات المادية وانعدام دعم من الدولة. البلدات العربية وتلك الموجودة في أطراف البلاد ضعيفة اقتصاديا وسياسيا وهي بعيدة عن مراكز التأثير والقرار فلا تقوى ان تقنع الحكومة وأذرعها بضرورة توفير الميزانيات المطلوبة لدعم آلاف المباني الخطيرة داخلها.
البلدات العربية لم تستفد حتى من المخطط القطري لدعم المباني القديمة (رقم 38)، وهو المخطط الذي أعد خصيصا لتنظيم مسار تخطيطيّ لترميم المباني التي شيدت قبل عام 1980. فرغم مرور عقدين تقريبا على تصديق هذا المخطط والمصادقة على مئات المشاريع المعمارية لترميم المباني القديمة بفضله، حتى اليوم لم تتم المصادقة ولو على مشروع عمرانيّ واحد لترميم المباني القديمة في البلدات العربية حسب المخطط القطري المذكور رقم 38، والأسباب من وراء هذه الحقيقة كثيرة ومعقّدة. 
أضف الى ذلك ان إجراءات التخطيط والترخيص وخاصة بما يخص المشاريع التي تحتاج الى نسبة بناء كبيرة تكفي لترميم المبنى الخطير تستغرق سنوات طويلة في أروقة مؤسسات التنظيم والبناء، وقد توقفت مشاريع ترميم كثيرة جدا لهذا السبب اذ لم يكن بمقدور أصحابها مواصلة المخطط وإتمام "الرحلة" التخطيطية العسيرة.
في نظري ان إهمال الدولة لأصحاب المباني الخطيرة وللسلطات المحلية في الشمال وأطراف البلاد، العربية واليهودية، هو جانب آخرٌ يجسّد تفرقة الدولة بين المواطنين والتمييز بينهم. ان تقصير الدولة في هذا المضمار يمس حقوق أصحاب المباني الأساسية كالأمن الشخصي والحياة والعيش والعائلة وغيرها من الحقوق. لا يعقل ان تكون حياة سكان تل أبيب أثمن من سكان البلدات العربية، وما من شك انه لو كانت المباني المهددة بالسقوط موجودة في تل أبيب لكانت عولجت ورممت على وجه السرعة.
ولكن تقاعس الدولة عن الاهتمام بظاهرة المباني الخطيرة ليس قرارا عنصريا وغير انسانيّ فحسب، بل هو قرار خاطئ وأحمق حتى من المنظار الاقتصاديّ. ذلك ان الميزانية التي على الدولة إنفاقها في سبيل دعم وترميم المباني الخطيرة تكاد لا تذكر إزاء ما قد تنفقه الدولة من ميزانيات لا تحصى ان ضربت البلاد هزة أرضية شديدة وذلك من أجل الاهتمام بالعائلات التي ستفقد مساكنها وغيرها من النواحي الاجتماعية والبيئية والاقتصادية.    
لهذا ولأسباب كثيرة أخرى على الدولة ان تتعامل مع المباني الخطيرة في البلاد كأزمة قطرية. على الدولة ان تصادق على مسار سريع وقصير لتمرير المخططات العمرانية الضرورية لدعم المباني الخطيرة وترميمها. وعلى الحكومة أيضا ان تمنح ميزانية طوارئ عاجلة للسلطات المحلية المعنية حتى تنفذ بالتعاون مع أصحاب العقارات اعمال العمران المطلوبة لدعم وترميم المباني الخطيرة التي في نفوذها. إن كنّا نحسب ان مقولة "المصيبة القادمة مسألة وقت" هي شعار لاستنهاض الهمم فقط فان الكارثة الرهيبة في تركيا وسوريا علمتنا أنها حقيقية مرة وليست مجرد شعارٍ. على الحكومة ان تستيقظ من سباتها وان تقوم فورا بالمطلوب. كل تأخير سيقرّبنا الى الكارثة أكثر لا شاء الله!
*دكتور في القانون من جامعة تل أبيب ورئيس قسم التنظيم والبناء في مكتب م. فيرون-حيفا