محاولات اقتحام دير وكنيسة مار الياس: من تلفيق الرواية إلى السيطرة الفعلية- جوني منصور- جيفا

تجدّدت محاولات مجموعات من المتدينين اليهود المتطرفين جدًّا لإقتحام دير وكنيسة مار الياس على جبل الكرمل في حيفا. ولكن في هذه المرّة وصل عدد المقتحمين إلى قرابة خمسين شخصًا، بينهم رجال دين وشباب وفتية صغار مدّعين أنّ في هذا الدير قبر النبي اليسع(وطبعًا هذا تلفيق وكذب وتزوير). لكن الأهم من ذلك، مداومة هذه المجموعة المتطرفة على القدوم من مواقع بعيدة عن حيفا وبواسطة حافلة في هذه المرّة، لهو دليل قاطع على تبنّي رواية ملفقة، والعمل على تطبيقها، باعتبارها أداة تساعد المتطرفين وكذا المستوطنين في الضفة الغربية ومواقع أخرى من فلسطين التاريخية على السيطرة على المكان المقدّس. الاقتحام يتعدّى كونه حاملاً في طياته محتوى ديني. المحتوى الديني هنا هو الهدف المظهري والمكشوف، لكن في طيات هذه الاقتحامات رؤى وتوجهات سياسية وبلطجية تستند إليها الحركات الاستعمارية الكولونيالية المُتلحفة بالدين والعودة إلى الجذور، حسب ادّعائها. هذا الغطاء ليس جديدًا، وليس المرّة الأولى الذي يُستخدم في الوطن من قبل جماعات متطرفة تحظى بحماية حكومات اسرائيل وجيشها وقواتها الشرطية(هذا الذي ينطبق على الاراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية). إنما ما جرى ويبدو أنّه سيتكرر في حيفا، وقد يكون في مواقع أخرى خلال الفترة المنظورة ضد اهداف وضعتها هذه الجماعات، وهي أديرة وكنائس في القدس وفي حيفا، ليست بريئة من دعم رسمي غير معلن. حتى الآن لم تتحرّك أيّ جهة حكومية للاستنكار أولاً، والعمل على توفير حماية للأماكن المقدسة المسيحية والاسلامية على حدٍّ سواء. التحرّك الذي شاهدنا هو محلي، بمعنى رئيسة بلدية حيفا الحالية عينات كالشس ورئيس البلدية الاسبق يونا ياهاف وحاخامات من الييهودية التقدمية(تيار في اليهودية عدد منتسبيه محدود جدا) عبّرت عن شجبها واستنكارها ورفضها لمثل هذه الاقتحامات المتكررة. والملاحظ أيضًا، صمت رجالات دين وسياسيين اسرائيليين رفيعي المستوى حول محاولات الاقتحام هذه. وطبعًا، أنا أتحدث عن مستويات دينية وسياسية تتحمّل مسؤولية ما جرى وما يجري. 
لكن أبعد من ذلك، وفي بوست على صفحته على الفيسبوك حذّر اخي وصديقي بكرعواودة من أنّ الإعلام الاسرائيلي(بعض منه) بدأ ياستخدام مصطلحات تُذكرنا بما مهّد له هذا الإعلام المُجَنّد لخدمة الآلة السياسية الاسرائيلية بخصوص الحرم الابراهيمي الشريف(في الخليل) والحرم القدسي الشريف(في القدس)، ألا وهو مصطلح "كنيسة متنازع عليها" أو "كنيسة خلافية"(بمعنى أنّ هناك خلاف بشأنها). علينا الانتباه إلى أنّ الترويج في الإعلام الاسرائيلي بهذه المفاهيم والاصطلاحات ليس بريئًا بالمرة. وهذا الترويج هو مساهمة عن بُعد في إظهار صدق وأحقية المقتحمين. 
ومن هنا، فإنّ الوعي المعرفي بتاريخ وآثار وواقع الموقع الذي عليه الدير والكنيسة يُعزّز الارتباط به بعيدًا عن مهرجانات الدعم وبيانات الاستنكار الجوفاء. فالمنطقة فيها آثار مسيحية تعود إلى الفترة البيزنطية، ومن بينها بقايا لكنيسة ولُقى تمّ العثور عليها في حفريات سابقة. بعض من هذه اللقى تمّ حفظُه في متحف الدير، ويمكن معاينتها في الغرف المجاورة لمدخله. ولم يكن في الموقع أيّ أثر لكنيس، إذ أنّ المنطقة كانت موقع عبادة وطقوس كنعانية من أبرزها عبادات البعل، وذلك قبل ظهور المسيحية. ومع انتشار المسيحية في القرون الأولى، تقبّل سكان المنطقة الديانة المسيحية وبنوا لهم كنيسة. ومع انتشار الاسلام بقيت المواقع على جبل الكرمل جاذبة لمصلين ومتعبدين مسيحيين ومسلمين وحتى يهود، في إشارة  منا إلى مقام الخضر (مغارة الانبياء) التي كان يؤمُّها كل اتباع الديانات السماوية، إلى أن استولت عليها مجموعة من المتدينين اليهود المتطرفين وانفردوا فيها وأحدثوا تعديلات على المبنى وجعلوه مغارة الياهو(أيّ مغارة مار الياس)، وأزعجوا الزوار المسلمين وضيّقوا عليهم في العقود الثلاثة الأخيرة، لدرجة أنّه لم يعد يفد إليها من المسلمين والدروز إلّا قِلّـة. وهنا خطورة الموضوع. أعني سيطرة واستيلاء وتغيير هدف المكان، وتحويله إلى مكان خاص باليهودية فقط. 
وأنا أسوق هذا المثال لكونه حصل، ولكونه قريبا من الدير والكنيسة القائمين على أعلى الجبل. 
إذن، نلاحظ أن التحرّك الديني المزعوم من قبل جماعات دينية يهودية متطرفة جدا وسط صمت الحكومة المينية الحالية، فيه غطاء سياسي وهدف استيلائي على المكان. 
ماذا يتوجب على المجتمع المدني القيام به (توصيات غير ملزمة لكنها مفيدة):
-    إثارة الموضوع بوسائل الإعلام المحلية والعالمية وبلغات مختلفة، وهذه وسيلة تُقلق اسرائيل حكومة وشعبًا، وخصوصًا في ظل مظاهر الفوضى والتسيب والانفلات السياسي الحاصل.
-    الحضور الفعلي للمسيحيين والمسلمين يوميًّا وعلى مدار الساعة، والاعتصام في الموقع، كعلامة وحدة وطنية ومصيرية مشتركة، فـ "المستهدف واحد".
-    تحريك الشارع الاسرائيلي المُنشغل بقضايا أخرى، ولكن يمكن تحقيق بعض الانجازات.
-    التوجه الى الجهات الرسمية باستمرار وعدم تركها بالمرة، لتتحمّل مسؤوليتها كالبلدية والحكومة والبرلمان.
-    تعميم المعلومات التاريخية والأثرية عن المكان لزيادة الوعي الجماهيري، وبالتالي تعميق العلاقة بالمكان ومحتواه وحضوره في الثقافة الشعبية الفلسطينية منذ قرون طويلة.
-    حث الرئاسات الروحية المسيحية على الخروج من حالة السبات والصمت والالتصاق بالمجتمع، لأنّ القضايا الساخنة تزداد حرارتها ليس فقط في موضوع الدير إنّما في مواضيع أخرى تقضُّ مضاجع هذا المجتمع، وأبرزها آفة العنف.
-    بث ونشر روح التمسُّك بالأرض والوطن وما فيه من معالم ومواقع دينية ووطنية وسواها، باعتبارها مستهدفة من جحافل المتطرفين الحائزين على غطاء حماية من حكومة يمينية متطرفة تعمل ليل نهار من أجل اقتلاع اصحاب البلاد وأهل المكان وترحيلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، بما فيها الكنائس والاديرة والمساجد والمقامات.
-    الانتباه إلى ما تتداوله وتتناوله وسائل الإعلام الاسرائيلية من مصطلحات يجري إقحامها في نشرات الاخبار والتحليلات والتقارير، لتوصل الى المتلقي بأنّ هناك نزاع او خلاف. لا توجد حالة نزاع ولا خلاف، إنّما محاولة استيلاء على المكان وطرد اصحابه وإحلال غيرهم.
الخلاصة التي أود الإشارة إليها، أنّنا كفلسطينيين نمرُّ في أوقات عصيبة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأبرز حالات هذه الأوقات التضييق على مجرى حياتنا قانونيا وسلوكيا من قبل المؤسسات الحاكمة. لكن، تعلّمنا من التاريخ، أنّ الصمود هو سرُّ البقاء، وأنّ التعاون والتضامن هما سرُّ الاستمرارية. هذا وطننا، باقون فيه، وسنعمل على المستويين الفردي والجماعي على حمايته.