07
سبتمبر
أغنياتُنا الفولكلوريَّة بين الاجترار والتَّجديد!!(3)/ بقلم: سيمون عيلوطي
حكاية أغنية "أنا كل ما أقول التُّوبة" والعندليب!!
تَوْطِئة لا بدَّ منها:
"أنا كل ما أقول التوبة"، أغنية عبد الحليم حافظ، أنتجت في العام، 1965، تأليف، عبد الرُّحمن الأبنودي، تلحين، بليغ حمدي، توزيع، علي إسماعيل، تُعتبر لافتة دالَّة على طريق المرحلة الجديدة في مسيرة العندليب، وتوجّهه نحو الغناء الشعبيَّ، حيث أحدث انقلابًا على طابعه العاطفيّ-الرومانسيّ الذي عُرف من خلاله مع الملحِّن، كمال الطَّويل وغيره من الملحِّنين، فجاء العظيم بليغ حمدي ليحقِّق له رغبته في هذا المجال، وينقله من مرحلة رومانسيَّة باتت غير منسجمة مع حركة الحياة المتحرِّكة، إلى مرحلة منبثقة من تحوَّل الواقع الجديد-المعاش. وقد نتج عن تعاونهما معًا عدَّة أغنيات، منها: "سواح"، "زي الهوا"، ومن بلاد الشَّام طوَّر له "قدُّكَ الميَّاس" ما أهلَّ حليم أن يستمرَّ شامخًا بين شعبيَّته ومجده.
أوردتُ هذه التَّوطئة لأبيِّن من تجربة هؤلاء المبدعين، الأبنودي، حمدي، حليم، مدى أهمِّة التَّطوير والتَّجديد في حركة الغناء عامة، والفولكلوريّ-التُّراثيِّ بشكل خاص، وما يضيف إليه من أبعاد فنيَّة تحقَّق هويَّة الفنَّان الذي بلوره وطوره وطبعه على صورته ومثاله. من هذه الأجواء اخترتُ للعندليب "قَدُّك الميَّاس"، أنتجت في العام، 1971، كلمات، محمد حمزة، ألحان بليغ حمدي. وكذلك "أنا كل ما أقول التوبة"، 1965، تأليف، عبد الرُّحمن الأبنودي، تلحين، بليغ حمدي.
https://www.youtube.com/watch?v=8kKphZZvv1w
المطرب عبد الحليم حافظ، أدرك بحسِّة الفنيّ المرهف قيمة الأغاني الفولكلوريَّة، الشعبيَّة، لا سيَّما الأغاني المطوَّرة عنه، ولاحظ انجذاب الجُّمهور لتلك الأغاني، التي سطع في سمائها نجم المطرب محمد رشدي في الغناء، الشَّاعر الملقَّب بالخال، عبد الرحمن الأبنودي، بالكلمات، والموسيقار بليغ حمدي، بالألحان، وحرصًا منه على مجده وشعبيَّته، وحضوره، أراد هو أيضًا أن يسير باتجاه الغناء الشعبيّ. ولكي يحقِّق غايته في هذا الشَّأن، لجأ إلى إجراء غريب وطريف في آنٍ معًا، حيث قام باختطاف الشَّاعر عبد الرُّحمن الأبنودي ليؤلِّف له أغنية، حول ذلك "يروي الأبنودي في إحدى لقاءاته الصحفيَّة قبل وفاته أنه تمَّ خطفه فعليًا لمقابلة حليم، فحينما كان "الخال" بصحبة رشدي وبليغ فجأة وجد أمامه اثنين يرتديان بذلتين ونظارات سوداء ضخمة، وقال أحدهما بنبرة حادة: "حضرتك الأستاذ الأبنودي؟ من فضلك عايزينك معانا شوية"، وبعدما ظن الخال أنه معتقل، اقتيد في سيارة إلى عمارة بحيِّ الزَّمالك، صعد إلى الشَّقة وجد أمامه عبد الحليم حافظ".
"طلب العندليب يومها من الأبنودي أن يكتب له أغنية، وقال: أنا عايز أغني باللغة بتاعتك دي عشان عاجباني، بس أنا مقدرش أقول "المسامير والمزامير" زي رشدي، يقصد مقطع "في أيديَّ المزامير، وفي قلبي المزامير " من أغنية عدوية".
"فرد عليه الأبنودي قائلًا: هنعمل "كل ما أقول التُّوبة" بس مع بليغ، وكان بليغ وقتها على خلاف مع حليم ونجح "الخال" في جمعهما مرة أخرى، وعلى الرَّغم من أنَّ الأبنودي كتب هذه الأغنية خصِّيصًا لحليم، إلا أنَّه حين سمع الأغنية أوَّل مرَّة استشاط غضبًا بسبب مقدِّمة الأغنية، بل وصل الأمر إلى أنه تبرَّأ منها، ومن موسيقاها، وقال إنَّها تذكّره بالموسيقى الخاصَّة بالسِّيرك والملاهي الرَّخيصة في العاصمة الفرنسيَّة، باريس. ولم يتوقَّف عند هذا الحد، بل هاجمها بمختلف وسائل الإعلام، المسموعة، والمقروءة، والمرئيَّة، وذلك "وفقا لما روته زوجته، نهال كمال، في احتفاليَّة خاصَّة بذكراه".
"وأضافت زوجة الأبنودي، كانت وجهة نظر الأبنودي وقتها أنَّ اللحن لا يتناسب مع الجوِّ الشعبيِّ للأغنية، "كل ما أقول التُّوبة"، وحدثت فجوة بينه وبين عبد الحليم حافظ، والذي كان رأيه أنَّ الأغنية أصبحت ملك الجمهور، ولا يحق لأي أحد أن ينتقدها حتى صُنَّاعها، وبعد مرور 20 عامًا تدارك الأبنودي خطأه لأنَّ الأغنية نجحت كثيرا، واستمرَّ نجاحها، واعترف أن عبد الحليم لديه حق في رؤيته للأغنية، وأنه كان مخطئا في ذلك الهجوم الذي شنَّه عليها".
وبحسب موقع "مدى البلد" فإنَّ "الثلاثي عبد الرَّحمن الأبنودي، والملحِّن بليغ حمدي، والمطرب محمد رشدي، تعاونوا معًا فحقَّقوا نجاحًا كبيرًا، بدأ في أغنية "تحت الشَّجر يا وهيبة"، وبلغ قمَّته في أغنية "عدويَّة" التي أصبحت أشبه بنشيدٍ شعبيٍّ لكل من بلغت مسامعه هذه الأغنية، وقتها رغب عبد الحليم في التَّعاون مع الثنائي بليغ والأبنودي، مستغِّلًا نجاحهما الكبير مع رشدي". فكانت: "أنا كل ما أقول التوبة" التي جاءت بمثابةِ إعلان صريح عن بدايةِ مرحلة جديدة للعندليب، مع الغناء الشعبيّ.
انا كل ما أقول التوبة أغنية حليم، بصوت ماجدة الرُّومي.
https://www.youtube.com/watch?v=Ld1FD2WXVuw
(يتبع)

