قراءة في مقال ناصر شقور عن توحيد الاعياد ...مازن نحاس

 

توحيد الأعياد في الجليل. "نِداء من القلب بمناسبة أسبوع الصلاة من أجل الوحدة"

نُشر يوم 19/01/2026

السيد ناصر شقور يشغل منصب رئيس "مركز خدمة العائلات والتوفيق والمصالحة" التابع لمطرانية الروم الكاثوليك في حيفا، أي أنه مقرب من الرئاسة الروحية والإكليروس وعلى اطلاع تام بأمور الأبرشية، وهو أيضاً المُعد للنشرات الأسبوعية للكنائس الكاثوليكية، مما يمنح مقاله طابعاً يجمع بين البعد الديني والاجتماعي في رعاية شؤون العائلات والمجتمع.

مقال الأستاذ ناصر يعتبر دعوة، صيحة ومطالبة علنية صادقة إلى توحيد الأعياد المسيحية، نداء من القلب ومن داخل مركز صُنّاع القرار بمناسبة أسبوع الصلاة من أجل الوحدة. وهنا لا بد لي أن أتساءل: أي وحدة يقصد بها، هل هي وحدة الكنائس في الجليل؟ أوليس وحدة الكنائس في الجليل تحتاج أولاً إلى وحدة الكنائس في الأبرشية؟ أليس غريباً أن يصلي للوحدة من لا يريد الوحدة، كيف يخرج شخص من المقربين إلى الإكليروس وينادي بهذا الوضوح واللهفة إلى توحيد عيد الفصح في الأراضي المقدسة ألا إذا كان قد بلغ السيل الزبى من الأمر ويأس الناس من تحقيقها.

لا شك أن موضوع المقال يحظى باهتمام واسع في الأوساط الكنسية والاجتماعية. لذلك أُبرز أهم النقاط التي ركز عليها الأستاذ ناصر شقور في مقاله من وجهة نظر مؤيدة لهذا التوجه والتي تتقاطع مع طروحات سابقة طرحها العديد من أبناء الأبرشية في سنوات سابقة ومنهم الداعي كاتب هذا المقال (مقال لحظة تفكير قبل انطلاق الصيام - كانون ثاني 2022، ومقال بالأمس مات واليوم قام وغدا سيموت - نيسان 2022، مهزلة الفصح الى متى - أيار 2021) وجمعيها نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي) ومقال الدكتور حاتم خوري بعنوان "سأعيد مع الروم.

يطرح الأستاذ ناصر شقور قضية توحيد الأعياد على أنها ليست مجرد شأن كنسي أو طقسي، بل هي أداة لتعزيز الوحدة المجتمعية في مواجهة التحديات التي تواجه المسيحيين في الجليل، فهو ينظر إلى توحيد الأعياد كخطوة أساسية لتعزيز التلاحم بين مختلف الطوائف المسيحية، وتجاوز "البلبلة" التي قد تحدث نتيجة اختلاف المواعيد بين التقويمين الشرقي والغربي. والتي تجعلنا أضحوكة المجتمع العربي. فالمقال يسلط الضوء على أن الاختلاف في مواعيد الأعياد (الناتج عن الفرق بين التقويمين الغريغوري واليولياني) يؤدي إلى "بلبلة" اجتماعية وتشتت في الاحتفالات الدينية والعائلية. والهدف تسهيل الحياة اليومية التي تهدف إلى تنظيم العطلات الرسمية والمدرسية والاحتفالات العائلية، مما يسهل على العائلات "المختلطة طائفياً" الاحتفال معاً في وقت واحد.

يشير المقال إلى أن الفشل في توحيد الأعياد أحياناً يعود لقرارات غير منطقية في الأبرشية أو لتمسك بعض الكنائس بالتقاليد التاريخية، وهو ما ينتقده شقور ضمنياً كونه يعيق "الوحدة الميدانية" في الجليل. برأيه، صحيح أن التقويم جزء من التقليد ولكن التقليد خلق لخدمة الانسان لا لإرباكه. والتوحيد لا يلغي كنيسة ولا يغير طقسا ولا هوية كاهنٍ ولا رعية.

يتطرق المقال الى المركزية الكنسية التي غالباً ما تستند إلى قرارات أو توجهات صادرة عن "مجمع الأساقفة الكاثوليك" الذي يدعو لتطبيق التوحيد في رعايا الجليل والأراضي المقدسة.

فاذا كانت المرجعيات المذكورة في المقال وافقت راعويا على توحيد الأعياد (ولا أشك بالمعلومات)، من رؤية خدمة للناس لا تهديدا للأيمان وهذه المرجعيات هي نفسها الموجودة اليوم في الجليل فلماذا لا تتخذ هذه الخطوة وتحل العقدة.

من الناحية الاجتماعية والوطنية، المقال يُعتبر صرخة تنبيه للحفاظ على النسيج الاجتماعي في الجليل ويمنع الارتباك في شرح الامر للمسلمين واليهود، وقد يخفف من الهجرة والضغوط الاجتماعية التي يعيشها أبناء الجليل.

اتفق مع الأخ ناصر بكل كلمة كتبها وبكل طرح طرحه ان كانت طروحات المؤيدين أو طروحات المعارضين. كل طرح حق لطارحه ومقبول شرط ان لا يكون مغلفا بنوايا واعتبارات غير مقنعة. وللأسف قراءة ما بين سطور المقال توحي أن طروحات المعارضين ووجهات نظرهم كأن وراء الاكمة ما وراءها. ولكن من كياسة الكاتب لم يفصل أكثر مما كتب، وواضح أن هذا النقاش هو نقاش اكليروسى يوجهه الايغو في ابرشية أصغر من أن تُخفى فيها الأمور. المشاكل الاجتماعية التي طرحت تعاني منها جميع القري في الجليل بدون استثناء ذات الطائفة الواحدة أو متعددة الطوائف. ما ذكره الكاتب من طروحات المعارضين: "هذا حسن ولكن... "ماذا بعد ولكن؟ يحدد الصورة ويثبت أن الايغو هو الذي يحدد طروحات المعترضين وليس عدم امكانية تغيير نظام عطل المدارس وبرنامج الأعياد في وزارة المعارف. ألا يجب أن يكون التوحيد هدفا إلى تنظيم العطلات الرسمية والمدرسية والاحتفالات العائلية، مما يسهل على العائلات "المختلطة طائفياً" الاحتفال معاً في وقت واحد. ألا يجب أن يكون التداخل العائلي والمجتمعي في ذات البلدة أو بين البلدات المختلفة هو هدفا اجتماعيا وطنيا.

قلت إن من حق المعترضين الاعتراض ولكن يبدوأنهم ينتظرون من يتولى اصدار القرار بدلا عنهم، ولا أدرى على ماذا يستند تخوفهم. وبما ان القيادة الدينية العليا ممثلة بقداسة البابا الحبر الأعظم الذي رأى بحكمته وضعنا، وشعر بالضغوطات التي يعيشها مجتمعنا المسيحي في الشرق عامة والجليل خاصة وسمح أن نحتفل في موعد تتوافق عليه الكنائس المحلية، دون الارتباط بموعد الكرسي الرسوليّ أو الجماع العالمي فلماذا لا تتجرأ الرئاسة في الجليل على أخذ قرار التوحيد في جميع البلدات.

مجتمعنا مع كل التحديات التي يواجهها والتي تنتظره مستقبلا أحوج الى التوحيد اليوم أكثر من ذي قبل وعلى القيادات الروحية أن تأخذ دورها لقيادته أكثر من أي وقت مضى والتعالي عن الخلافات بوجهات النظر وتنظيف الرواسب في العلاقات وأخذ دور القياديين في رعاياهم، بدلا من أن ننتظر معيلا خارجيا ليأخذ القرار عوضا عنا.

ومع هذا، التوحيد بالصورة المطروحة اليوم يبقى غي مكتمل، لا يعبر عن روح الوحدة. صحيح ان الوحدة الكاملة صعبة اذ لا يمكن تغيير العقائد والطقوس ذات الاف السنين ولكن يجب الاخذ بعين الاعتبار أن يكون هناك تنازلات من كل الاطراف. إذا لا يعقل ان يكون الامر ان نعيد الميلاد معا وان نعيد الفصح معا بينما الاعياد المرتبطة بالميلاد او الاعياد الفصحية تبقي في مواعيد مختلفة كل طائفة تعيدها بحسب رغبتها. حتى نشعر بالوحدة الصادقة يجب توحيد الرزنامة وان تكون تواريخ الاعياد السنوية متطابقة وكلٌ يعيدها حسب طقسه وايمانه. هكذا نشعر بانه يوجد وحدة طوائف. واكرر أن ما يطرح الان هو توحيد موعد الفصح كخطوة أولى، يجب ان يتلوها توحيد الرزنامة بدون تأخير، فعندم نسمع قرع الاجراس لعيد رفع الصليب أو البشارة أو غيره من الأعياد والمناسبات الدينية تقرق معا من كنائس مختلفة في نفس اليوم لدى جميع الطوائف. هكذا يظهر صدق النوايا ويكتمل الشعور بالوحدة وتحل مشكلة عطل المدارس وكل الموظفين. وتحل مشكلات اجتماعية عديدة ولا نضطر للارتباك عند التبرير أمام الطوائف الاخري.

أستاذ ناصر مقالك رائع طروحاتك جريئة عسى أن يقرأه من يجب ان يقرأه.

مازن سليم نحاس